ابن أبي العز الحنفي
172
شرح العقيدة الطحاوية
جميعها ، لا يخلقها اللّه فأخرجوها من عموم « كل » ، وأدخلوا كلام اللّه في عمومها ، مع أنه صفة من صفاته ، به تكون الأشياء المخلوقة ، إذ بأمره تكون المخلوقات ، قال تعالى : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ الأعراف : 53 . ففرّق بين الخلق والامر ، فلو كان الامر مخلوقا للزم أن يكون مخلوقا بأمر آخر ، والآخر بآخر ، إلى ما لا نهاية له ، فيلزم التسلسل ، وهو باطل . وطرد باطلهم : أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة ، كالعلم والقدرة وغيرهما ، وذلك صريح الكفر ، فإن علمه شيء ، وقدرته شيء ، وحياته شيء ، فيدخل ذلك في عموم كل ، فيكون مخلوقا بعد أن لم يكن ، تعالى اللّه عما يقولون علوّا كبيرا . وكيف يصح أن يكون متكلما بكلام يقوم بغيره ؟ ولو صح ذلك للزم أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه ! وكذلك أيضا ما خلقه في الحيوانات ، ولا يفرق حينئذ بين نطق وأنطق . وإنما قالت الجلود : أَنْطَقَنَا اللَّهُ فصلت : 21 ، ولم تقل : نطق اللّه ، بل يلزم أن يكون متكلما بكل كلام خلقه في غيره ، زورا كان أو كذبا أو كفرا أو هذيانا ! ! تعالى اللّه عن ذلك . وقد طرد ذلك الاتحادية ، فقال ابن عربي : وكل كلام في الوجود كلامه * سواء علينا نثره ونظامه ! ! ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره ، لصح أن يقال للبصير : أعمى ، وللأعمى : بصير ! لأن البصير قد قام وصف العمى بغيره ، والأعمى قد قام وصف البصر بغيره ! ولصح أن يوصف اللّه تعالى بالصفات التي خلقها في غيره ، من الألوان والروائح والطعوم والطول والقصر ونحو ذلك . وبمثل ذلك ألزم الامام عبد العزيز المكي بشرا المريسي بين يدي المأمون « 142 » ، بعد أن تكلم معه ملتزما أن لا يخرج عن نص التنزيل ، وألزمه الحجة ، فقال بشر :
--> ( 142 ) عبد العزيز المكي : هو عبد العزيز بن يحيى الكناني ، أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي . قدم بغداد أيام المأمون ، وجرى بينه وبين بشر المريسي مناظرة في خلق القرآن ، بحضرة الخليفة المأمون . وصنف كتاب « الحيدة » أثبت فيه نص مناظرته لبشر لكن في ثبوت هذه المناظرة نظر فإنه تفرد بروايتها محمد بن الحسن بن أزهر الدعاء ، وقد اتهمه الخطيب بأنه يضع الحديث وذكر الذهبي انه هو الذي وضعها ، فراجع « الميزان » ( 3 / 44 ) و « طبقات السبكي » ( 1 / 265 )